الخميس، 3 يناير، 2013

الله غير مسئول

وحين يصادف أمروا سيئة يخاف أن يسأل أو يلوم الأله فيغضبه


 الأنسان يحاول إسترضاء الإله ، بطاعته ، بصلواته ، بذكر صفاته الحميدة وإخبار الأخرين – الغير مؤمنين بهذا الأله – عنه وعن جمال صفاته ، بمساعدة الأخرين الذين في إحتياج ، بالرضا بكل شئ وعدم التذمر ... وحين يصادف الأنسان أمور حسنة يشكر ذاك الأله ، وحين يصادف أمروا سيئة يخاف أن يسأل أو يلوم الأله فيغضبه لأنه يري في ذلك الإله صلاحا لا شك فيه ، فيلجأ لتبرير تلك الأحداث السيئة علي أنها "إرادة الإله" ويحني رأسه ويقول صاغرا : "إلهي صالح"

ففي مختلف الثقافات والأديان ومنها الوثنية يقدم الأنسان القرابين لإلهه ولا يزال يقدمها له حتي برغم كل ما يحدث له من مصائب ... ففي تايوان مثلا يلقي السائقين بأموال علي الطريق ويدعونها "أموال الأشباح" وذلك لكي تنجيهم الأشباح من الحوادث .. ولكن بالطبع الحوادث تحدث ... ربما تستغرب تلك الفكرة وتتهمها بالسذاجة ولكن بالنظر إلي طقوسك التي تمارسها ستجد أن هناك بعض التصرفات التي تقوم بها تماثل هذه العادة الغريبة ...

هل يتوقف السائقين عن إلقاء النقود للأشباح عندما تحدث الحوادث ؟؟ لا ... وهل تتوقف أنت ؟ ...

ولتبرير تلك المصائب ( أمراض ، حوادث ، فقر ، فشل في العلاقات .... ) يلجأ الأنسان لإتجاهين ... الأول هو أن ينكر ذلك الإله الذي خذله ولم يوفر له الحماية ويحقق الوعود التي توقعها منه ويتركه غاضبا عليه ، أو يلجأ صاغرا إلي لوم نفسه وبزل عطايا أكثر لذات الأله ... وفي نفس الوقت لا يجرؤ علي إتهام هذا الإله بالتقصير في حقه أو الخطأ ويبحث عن أسباب أخري أدت لكل تلك الحوادث السيئة التي قد يكون من أسبابها تقصيره في العطايا والطقوس فيزيد منها تائبا علي تقصيره فيها الذي أدي به لزيادة عقابه !!!

لكي يريح الإنسان نفسه – وليس ضميره - من التساؤل يلجأ لحيلة قديمة وهي تذكير نفسه بأن فكر الإله أعلي وأسمي بكثير من أن أفهمه وهو صالح بلاشك لذا فلن أسأل وسأرضي صاغرا بكل شئ
فيتجه الإنسان تلقائيا لـ "القدر" ويعلق علي شماعته العريضة كل الأمور الغير مفهومة والتي تتعب عقله وتفكيره وتعرضه لخطر التساؤل والمعرفة

هل ذلك الأله مصاب بأنفصام في الشخصية ؟ .... قاسي أحيانا ، طيب أحيانا ، عادل أحيانا ومنتقم أحيانا أخري ، يهب عطايا ثم يستردها ! يمنح حياة ثم يقبضها علي حين غرة !! يمنح الصحة ويفاجئ بمرض عضال !! يستمع لصلوات إنسان وينصره علي خصمه الذي هو أحد عبيد هذا الأله يرفع صلوات بدوره لذاك الأله لينصره علي خصمه الأول !! ... طامة الأنسان الكبري هي في عدم وصوله لإجابة هذا السؤال : "ما الذي يريده الله مني ؟" و " ما هي حدودي وقدراتي كبشر ؟ "

إنها دائرة مفرغة من التساؤل و يمكن حلها بفهم حدود الأنسان وحدود الله

نعم حدود الله

الله كلي العلم والقدرة بكل تأكيد والدليل علي هذا الكون الذي خلقه ... وربما يعتقد بعض الملحدين أن هذا الكون وليد الصدفة أو تم صنعه بواسطة قوة عظمي مجهولة أو شئ ما أيا كان ولكن في النهاية هناك من صنع هذا الكون وهو كلي القدرة وغير محدود

وأنا كمسيحي أؤمن أن الله خلق الكون بقدرته الغير محدودة وأيضا إيماني كمسيحي يضع أمامي حقيقة وهي مسئوليتي كأنسان ...

الله خلقني ومنحني الأختيار وحرية "كاملة" ووضع لنفسه – بإرادته – حدودا ألا يتدخل في إختياراتي ....

ربما يبدوا هذا الأمر صادما للبعض ولكنه منطفي إن فكرت فيه ... فكل من يؤمنون بالدينونة أو يوم الحساب لا بد لهم منطقيا أن يؤمنوا أن الأنسان لن يحاسب علي شئ إلا إذا أختاره وفعله بمحض إرادته ، وعدل الله لا يمكن أن يجعله يحاسبك علي شئ فرضه عليك

فهو قد ترك لي الحرية لأؤمن به أو لا أؤمن ، أن أطيعه او أعصاه ، أن أنموا في علاقتي به أو أرضي بالقدر اليسير وأظل طفلا في علاقتي به

وتلك الحدود مستمرة إلي ما بعد الأيمان به ... فالله الذي أؤمن به لا يمنح ختما أو صكا أو تعويذة تحمي كل من يؤمنون به من المخاطر الأرضية و الأمراض والأوبئة ... نعم ... فتلك مسئولية الأنسان ، وإلهي أيضا لا يعرض علي رشوة : "امن بي وسأحميك من كل شئ" ...  هذا غير منطقي وغير حقيقي وينافي محبته الغير مشروطة التي يحبني بها وينافي عدله الذي أؤمن به ، فهو يعامل كل البشر سواسية ولا يميز شخص عن أخر ولا ينحاز لأحد علي حساب الأخر

وإلا فلماذا لم يحمي الله عبيده اللذين قتلوا في حروب سابقة وفي مجاعات وبأوبئة ؟ هل كل من ماتوا وشُرِّدوا لم يكونوا عبيدا أو نحن أَبرّ منهم ؟؟

إن الحماية التي تحدث عنها الله في الكتاب المقدس بالنسبة لي هي حماية "الروح" من الهلاك الأبدي بعد نهاية الحياة الأرضية إذا أمنت بخلاصه الذي اعده لي عن طريق يسوع المسيح الذي هو الله نفسه متجسد في شكل بشري

ولكن الله أعطي الأنسان الدليل ليحيا حياة أمنة صحية وألهمه "بالفطرة" الأستخدام الطبيعي لكل شئ

فالله غير مسئول عن كمية السماد السام التي يخلطها المزارع حتي يحصل علي محصول أكثر ولكنه يسمم المحصول ،
 الله غير مسئول عن عدم ممارستك الرياضة وزيادة الترهلات في جسدك وتأثير ذلك علي القلب والصحة ،
 الله غير مسئول عن منع الأنسان من إستغلال أسمه لتبرير القتل وسفك الدماء ،
 الله غير مسئول عن مدي إجتهادك في التعلم عن شخصه وعن محبته لك وغير مسئول عن تطوير تلك العلاقة وجعلها أكثر عمقا ، فهو ذو الجلال متاح في كل وقت لك لتتحدث معه وتشاركه وتشكو له وتستمع إليه ... ولكن أنت مسئول عن تخصيص الوقت لذلك ...
الله غير مسئول عن حمايتك أثناء قيادتك للسيارة بتهور والنعاس يطغي علي كل خلايا جسدك ،
 الله غير مسئول عن إصلاح سياسة بلدك بينما أنت جالس في مكانك منتظرا تدخله السحري ،
الله غير مسئول عن وجود بعض الأمراض مثل الأيدز ، فالأيدز دخل العالم عن طريق ممارسات جنسية غير طبيعية ، كان بإمكان الله أن يمنع ذلك بالقوة ولكن الحدود التي وضعها لنفسه منعته من التدخل في أمور هي من صميم حرية الأنسان التي منحها إياه ...

الله ليس ساحر
الله ليس دفتر شيكات
الله ليس سانتا كلوز

الله لن يقبل رشوتك ( صلاة ، عطايا مادية ، إهتمام بالأخرين ، صوم ، ..... ) في مقابل شئ ما يعطيك إياه ... الله كلي القدرة والغني وليس بحاجة لأحد ...

إيماني أنني بموجب الحرية التي أعطاها لي الله مسئول عن صحتي وعن مرضي ، عن فسادي وعن إنحيازي للحق ، عن تطوير علاقتي به ونموي في معرفته ، مسئول عن تنظيم يومي ووقتي وبزل مواردي وإنفاقي لها ، مسئول بموجب الحرية التي وهبني إياها ...

إدراكك لمسئوليتك هي نوع من النضوج الفكري الصعب ، فما أسهل أن يلقي الأنسان باللوم علي الله دائما ويحاول تبرير الأحداث من حوله وتعليقها علي شماعة "إرادة الله" ويلتف حول نفسه ويربت علي كتفه مشفقا علي حاله راضيا بخضوعه كنوع من البر الذاتي ، وما أكثر تجار الدين الذين يكرسون لمبدأ ان الرضا بالمصائب المنهالة عليك من الله هي جملة الطاعة والخضوع الذي يطلبها منك هذا الإله

هناك 11 تعليقًا:

  1. مقال جميل مما لاشك فية إلا انني أختلف مع كاتب المقال عندما اراد ان يصدر فكرة "الله خارج الملعب الإنساني" لا أعتقد انا تلك هي الحقيقية الكاملة . اذ انني مقتنع ان الله فاعل "في" التاريخ و ليس فاعل التاريخ . الله هو احد اللاعبين في مجتمعنا . إن الله له إرادة حرة و هدف "الذي يريد ان جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون" و من له هدف لابد له من خطوات جادة في سبيل تحقيق هذا الهدف فليس من المعقول ان يتمني الله شئ ثم يقف مكتوف الأيدي و لا يحرك ساكنا . لكن في سعي الله لتحقيق هذا الهدف لا يمكن ان يعبث بإرادة الأنسان الحرة و إلا سقطت عننا صفة البنوة و صرنا عبيد لا أبناء نقصر قصرا علي فعلا أشياء بعينها .
    نعم الله يسعي "دائما" من أجل رخاء وسعادة البشر - ليس فقط في الحياة الأبدية - و لكن تلك المأسي البشرية هي نتاج ثلاثة عوامل تعمل في وقت واحد :
    1- الأنانية البشرية التي تدفع الانسان للعبث بكل ما خلق الله
    2- إحترام الإرادة الأنسانية من قبل الله
    3- سعي الله لأحتواء عبث الأنسان و تحويلة لخير

    ردحذف
  2. sa7 gedan god bless u :D

    ردحذف
  3. فيه كتابين : الله والشر والمصير لكوستي بندلي. وكتاب لا للقدر كيف اكون حراً للأب هنري بولاد اليسوعي.. بيغطوا اكتر دور الله ودور الأنسان ومسئولية كلا منهم ونطاق دخل الله وكيفية تحرير الأنسان من ثقل القدر.. ادعو الناس لقراءتهم لأنهم بيعالجوا موضوعك يا لاري بأستفاضة اكتر

    ردحذف
  4. amazing :)
    الله لن يقبل رشوتك
    and the last paragraph are my fav :)

    شتان بين التوكل والتواكل

    ردحذف
  5. انا متفقة مع جورج يا لاري، خصوصا في النقطة (الله فاعل "في" التاريخ و ليس فاعل التاريخ)

    ردحذف
  6. Nice talking indeed... our main problem in Egypt and most Arab countries that we are obsessed by God in everything in our daily life!! People try to please God to have a better life and more security, and may be more money... the major problem that there is a massive misunderstanding about God and His plans ... Most of people think that they know God and they even try to apply in public and get others feel that they are guilty that they don't worship God they way they do!! Our country need to know God truly not to have a blurred vision about God ... a like to your article :)

    ردحذف
  7. لم أفهم قصدك في "عدل الله لايمكن أن يحاسبك في شئ فرضه عليك"
    وقولك: "الله غير مسؤول" انا افهمها بأن الله سبحانه وضع قوانين في هذه الدنيا من عمل بها حصل على النتايج و من لم يعمل لايحصل على النتائج وان آمن وادى الفروض

    ردحذف
  8. "إيماني أنني بموجب الحرية التي أعطاها لي الله مسئول عن صحتي وعن مرضي ، عن فسادي وعن إنحيازي للحق ، عن تطوير علاقتي به ونموي في معرفته ، مسئول عن تنظيم يومي ووقتي وبذل مواردي وإنفاقي لها ، مسئول بموجب الحرية التي وهبني إياها ...

    إدراكك لمسئوليتك هي نوع من النضوج الفكري الصعب"

    ملخص منير لكل انسان ايا كان ايمانه .. شكرا

    ردحذف
  9. طيب ولو ربنا مش بيتدخل فى اختياراتي كان بعت رسل وانبيا ليه .. يعني هو معندوش مشكلة فى اننا نقتل بعض بس مشكلته الكبيرة فى اننا منعبدوش ؟ .. طيب وايه لازمة الحياة دي كلها ايه المقصود بيها هتزودله ايه او هتنقصله ايه .. هو انا مثلا لو كنت عدم ومدخلتش فى الحياة دي ايه ازمته ؟ .. هنرجع فى الوقت ده لنفس حيلة انه احكم واعلم ..انا لا اختلف مع الكاتب فى اهمية العمل الجاد لتحسين اوضاعنا بس مختلف معاه فى الابقاء علي فكرة الله المستخدمة بكثافة لمنع التطورات اللي تناسب العصر بتاعتنا من الوصول لينا

    ردحذف
  10. كويس أن الواحد يتخلي عن جمود الفكر القديم بتاع إن المشاكل اللي بنتعرض لها نتيجة سيئات أعمالنا نتيجة عدم منطقية هذا التفكير ,, و الإنتقال بالفكر دائماُ بيتم علي خطوات و اللي أنت كاتبه ده مجرد خطوة علي الطريق و لكنه ليس أخره ... الخطوة التالية هي إنك تفكر في ذنب الأطفال المصابين بالسرطان أو مرضي التوحد أو اللي بيتولدوا من أول يوم فاقدين للسمع و النطق .. يمكن التفكير ده ينقلك للخطوة اللي بعدها ...كما إنتقل الذين من قبلك

    ردحذف